محمود ماضي
152
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
ثم يستطرد : « وهكذا فإن قيمة الآيات الإبليسية مهمة ، فهل اعترف محمد بصحتها لأنه كان يهمه كسب الأنصار في المدينة والطائف وبين القبائل المجاورة ؟ هل كان يحاول التخفيف من تأثير الزعماء القرشيين المعارضين له باكتساب عدد كبير من الأتباع ؟ ذكر هذه المعابد دليل على أن نظرته أخذت في الاتساع . ( ! ) أما وقد نسخت هذه الآيات - المزعومة - فإن نسخها « مرتبط - في زعم المستشرق - أيضا بفشل هذه التسوية - أي بين محمد وزعماء مكة - ولا شئ يسمح لنا بالاعتقاد أن محمدا قد استسلم لخداع المكيين . ولكنه انتهى به الأمر إلى إدراك أن الاعتراف ببنات اللّه ( كما كانت تسمى الآلهة الثلاثة وغيرها ) يعنى إنزال اللّه إلى مستواها ، وعبادة اللّه في الكعبة لم تكن في الظاهر تختلف عن عبادتها في نخلة والطائف وقديد . . » « 1 » . ثم يذكر « واط » أن محمدا تحت وطأة الحاجات المادية كان مستعدا للاعتراف بهذه الأصنام باعتبارها آلهة ، ولما في هذا الاعتراف من تسهيل مهمته . كلام المستشرق « واط » يشير إلى بشرية القرآن فمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم حر مختار يضيف إلى القرآن ويحذف ما يشاء ، فأمر القرآن أو الوحي موكول لإرادته - وقد سبق له الادعاء بقدرة النبي على استدعاء الوحي بوسائله الخاصة - يتمثل في نحو قوله « أعلن محمد أن هذه الآيات لا يجب اعتبارها جزءا من القرآن » ، « كان يجب على محمد أن يشير في القرآن . . » ونحو قوله في موضوع آخر : « . . والحقيقة هي أن توحيده - توحيد محمد - كان في الأصل كما كان توحيد معاصريه المثقفين ، غامضا ، ولم ير بعد أن قبول هذه المخلوقات الإلهية - اللات والعزى ومناة مخلوقات إلهية ( ! ) - كان يتعارض مع هذا التوحيد . . » « 2 » . استغل واط هذه القصة للتشكيك في الوحي الإلهى إلى نبينا محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، لم يكلف نفسه البحث عما أثير حولها ورواياتها ، واستخلاص الصحيح من غيره ، والقوى من الضعيف ، أو يكون قد بحث - وهذا واضح - ولكنه ، - وقد كوّن فكرة مسبقة - وقع على الضعيف الشاذ فأخذه سندا لدعواه . من ناحية أخرى كيف فات على « واط » أن الآيات الإبليسية المدعاة لو وضعت في سياق آيات السورة لظهر التناقض البين ، والذي لا يخفي على أحد ؟ إنها - كما
--> ( 1 ) - واط : محمد في مكة ص 167 ، 168 ، 170 . ( 2 ) - د . عماد الدين خليل : المستشرقون والسيرة ص 72 مصدر سابق .